ديوان المرقد الشريف

ديوان المرقد الشريف

في مقبرة وادي السلام التي تضم رُفاة الملايين من شيعة أهل البيت عليهم السلام على مدى العصور مُنذ أن أصبحت النجف الأشرف مثوىً لأمير المؤمنين عليه السلام، إذ تُعتبر مقبرة وادي السلام من أكبر المقابر على وجه الكوكب حتى أنها أُدرجت من ضمن قائمة التراث العالمي في منظمة اليونسكو.

هذه المقبرة ـ التي تقع شمال مدينة النجف ـ موحشة مُقفرة يتحاشى الناس دخولها إذا ما أسدل الليلُ ستارَهُ عليها، فكانت هكذا مُنذ أن وجدت، حتى نُسجت القصص والخرافات التي طالما تحدّثت عن الأشباح التي تجوب بين قبورها ليلاً، حتى دُفن المرجع الشهيد السيد محمد الصدر ونجليه (قدّست أسرارهم) لتتحول البقعة التي دُفنوا فيها ومحيطها جنّة تؤنس من يدخله وتُدخل إلى قلبه الطمأنينة والسلام، لا تختلف في ذلك عن مزارات وأضرحة أهل البيت عليهم السلام.

لقد أصبحت مهوى قلوب الملايين من عُشّاقه ومُحبيه، فالشارع المؤدي إلى مرقده الشريف لا يكاد يخلوا من الزوّار، وغادرت خرافات الأشباح ذلك الرُّكن من المقبرة لتسكنها حقيقة الشغف الذي يحدو بمحبيه للسير إلى مرقده متى ما ألح الشوق عليهم، أو كان لأحدهم حاجة إلى الله سبحانه يقصد وليّه الصدر للشفاعة في قضائها.

لقد تحول ذلك الرُكن في الحقيقة إلى مكانٍ للأُنس والقُرب من الله سبحانه، فكم من طالب حاجة يُعفّر خديه على دكّة القبر الشريف، وكم من مريض متوسل إلى الله سبحانه به.

باختصار تحولت تلك البقة الطاهرة إلى جنّة حقيقيّة تأنس بها نفوس المؤمنين وتُقضى حاجاتهم، فلا تعجب ـ بعد ذلك ـ حينما تعرف أن الأراضي المُحيطة بمرقده الشريف أصبح ترابها يربو بأثمانه الذهب.

نعم في تلك البُقعة الطاهرة دُفن ولي أمر المسلمين والمرجع الأعلى للشيعة الشهيد السيد محمد الصدر، ونجليه العزيزين السيد مصطفى الصدر والسيد مؤمل الصدر (قدّس الله أسرارهم).

نبذة من حياة المرجع الشهيد.

فقيه وعارف ومفكّر إسلامي ومرجع ديني أعلى للشيعة، ينحدر من أسرة علميّة عريقة أنجبت فحول العلماء، عالما من ظهر عالم حتى اتصلت بالإمام موسى بن جعفر، وكان لفترة مرجعيته الرشيدة التي امتدت من العام 1984م إلى استشهاده في 1999 أهميّة كبيرة في تاريخ العراق والأمّة، فقد نهض (قدّس سرّه) بأعباء المرجعية على أكمل وجه، وكان له الكثير من الأنشطة الدينية والاجتماعيّة والسياسيّة، منها دوره البارز في قيادة الانتفاضة الشعبانية عام 1991م في مواجهة السلطة الحاكمة في العراق، ومن ثم إقامة صلاة الجُمعة التي ذهب إلى وجوبها التعيني، ونشره الوكلاء والمبلغين حتى في القرى والأرياف.

فلم تحتمل السُلطة الغاشمة وجوده وكانت ترى أنّه أصبح يتحكّم بقلوب الملايين من الناس حتى مَلِك الشارع، ولم يعد للسلطة التحكم فيه، فرأت أن تتخلص منه فكان لها ذلك حين أقدمت على اغتياله ونجليه السيدين مصطفى ومؤمل في طريق عودته إلى محل سكناه في منطقة الحنانة، وكان ذلك في العام 1999م.

الشهيد السيد مصطفى الصدر:

هو النجل الأكبر للمرجع الشهيد السيد محمد الصدر، ومن بين تلامذته المُبرّزين، وقد اعتمد عليه والده في الكثير من القضايا، وكان يرسله إلى المحافظات ليمثله في المناسبات الدينيّة، وقد شغل في مكتب المرجعيّة موقع المشرف على القضاء الحوزوي.

لقد كان الشهيد السيد مصطفى مثالاً رائعاً للولد البار بأبيه، إذ رافقه طيلة حياته وكان بخدمته حتى اللحظة التي استُشهد فيها معه.

الشهيد السيد مؤمل الصدر:

كان السيد مؤمل الصدر قد أوقف نفسه لخدمة أبيه المرجع حتى إنّه ظل يسكن معه في داره ليكون بخدمته على مدار الوقت، وقد عيّنه والده المرجع مشرفاً عاماً على الجُمعة ليكون هو الرابط فيما بين أبيه وسفراء الجُمعة وأئمتها الذين أوصلوا صوت المرجعيّة الناطقة إلى كل مدينة وقرية وإلى كل زقاق وبيت.

كان الشهيد السيد مؤمل يرافق أباه في حلّه وترحاله، حتى أنه رافقه في رحلته إلى الله، إذ كان هو الذي يقود السيارة التي استهدفتها رصاصات الغدر، فكان أول من فارقت روحه الدُنيا في ذلك اليوم العصيب.

المرقد الشريف:

وهو من أهم وأشرف أقسام المؤسسة، لأنه مثوى شهيد الله السيد محمد الصدر ونجليه (قدّست أسرارهم)

فالبقعة التي دفن فيها السيد الولي ونجليه، كان قد اشتراها هو على حياته ووضع فيها قطعة كتب عليها مقبرة المحروس بالله السيد محمد الصدر.

بعد فاجعة استشهاده ونجليه تحولت هذه البُقعة إلى مهوى لقلوب عشاقه ومقلديه، وحاول الكثير من الميسورين من المؤمنين بناء مرقد على جثمانه، إلا إن النظام البائد كان يمنع من ذلك، بل كان يعتقل ويُعاقب حتى الذين يصلِون إليه لغرض الزيارة، ثم بُني على الأرض قاعة مستطيلة الشكل، وراح المرقد يتوسّع بمبادرات ممن يملكون الأراضي المُحيطة بالمرقد الشريف، لتنظم إليه مع بقاء قبورهم فيها، فأصبح للقاعة الرئيسيّة جناحان هما مُصلى الرجال ومُصلّى النساء، وهذان الجناحان بالإضافة إلى القاعة الرئيسية في الوسط يشكلون الضريح، وقد علت القاعة الرئيسية قُبة زرقاء بإشراف سماحة السيد مقتدى (أعزه الله)

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مرقد السيد محمد الصدر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading